لا يساورني أدنى شك أو قلق من إمكانية اكتساح الإسلاميين في مصر للانتخابات القادمة بإذن الله، شريطة أن تتم بالفعل في نزاهة وشفافية تامة!!
ومصدر يقيني في ذلك؛ هو ما تأصل لدى عامة الشعب من كراهية وصول عصابات اللصوص إلى كراسي الحكم مكرراً؛ بعدما نهبوا البلاد، وبالغوا في ظلم العباد على مدار عقود طويلة!! لهذا فهم يريدون أن تأتي حكومة، أقل مواصفاتها أن تكون أمينة وألا تكون حكومة لصوص مكرراً!!
هذا فضلاً عن عاطفة الشعب المصري الجياشة في حب الإسلام، مما يجعل فرصة تلك العصابات في الصعود مكرراً إلى السلطة - دون تزوير أو رشاوى- تكاد تكون شبه معدومة!!
لذا فإن المخاوف لا تجد طريقها إلى قلبي من هذه الناحية، وإنما الذي يقلقني بالفعل، ويؤرق مضجعي؛ هو مدى وضوح التأصيل العقائدي لدى الإسلاميين الذين قرروا دخلول المعترك السياسي من جهة، وما سوف تعكسه تصرفاتهم من انطباعٍ لدى الناس بعد وصولهم إلى كراسي الحكم من جهة أخرى!!
ومبعث تلك المخاوف، هو تقلب القلوب، وتأثير سحر المناصب على النفوس، لاسيما تلك التي لم تثقل بمعاني الإيمان الحقيقي، وتخلص صدق التجائها بجناب ربها!!
ولا أخفيكم سراً، أنني طالما سألت نفسي عن خفايا الحكمة وراء ترحيلي من بلاد الخليج؛ بسبب نشاطي الزائد في مجال الدعوة، بعدما كنت أحيا هناك أجواءً تشبه أجواء جنة الدنيا المصغرة، حيث كنت أتنقل فيها بفضل الله من إلقاء موعظةٍ هنا إلى درسٍ هناك، ومن نشاطٍ دعويٍ إلى آخر؛ لأجد نفسي في لحظة مباغتةٍ مضطراً للرحيل!! بل ومرغماً على العيش في بلاد أخرى، يغلب عليها النمط الأوروبي الذي لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً!!
وعلى الرغم من شدة وقع تلك النقلة الشاسعة علي نفسيتي، إلا أن الله قد ألهمني برحمته الرضا بقضائه وقدره، واتجهت بي مسيرة الحياة مجبراً إلى البحث عن مناكب الرزق، فتهيأت لي الفرص تلو الأخرى لدخول عالم المال والأعمال!!
ولم أجد في نهاية المطاف بداً للدخول فيه مع محاولاتي المستميتة للحفاظ على هويتي الإسلامية، والتوقف عند الحدود الشرعية، وبالأخص في التعاملات المالية، فواجهت ما الله به عليم من المصاعب، وعلى الرغم من ذلك؛ فلم تتوقف بي المسيرة إلى هذا الحد؛ بل امتدت لأجد نفسي لا إرادياً في أوساط السياسيين الذين اتخذوا من عالم المال والأعمال ذراعهم الخفي؛ لتثبيت مواقعهم السياسية!!
فتم تعييني بحكم علاقاتي الواسعة بالخليجيين، مستشاراً لوزارتين بإحدى ولايات الحكومة الصينية ذات الأغلبية السكانية المسلمة، ليسجل التاريخ بفضل الله وحده، أول حادثة لرفع الخمور عن موائدهم الفاخرة؛ واستبدالها بمشروب الحليب، هذا فضلاً عن الطعام الحلال؛ كشرط أساسي لقبولي دعوتهم!!
كل ذلك والله وحده يعلم، بأي النفسيات كنت أحيا وسط هذه الأجواء؟ وما أرغمت على مواجهته من المعاناة؛ فقط للحفاظ على ديني وهويتي كمسلم، وعدم الانزلاق في متاهات تلك الفتن التي ألقت بنفسها رخيصة تحت قدماي!!
وهنا يكمن بيت القصيد!!
حيث أن ما عاينته من أحوال عالمي (المال والسياسة) وما ترسخ لدي من يقين عما تغلل فيهما من ألوان الدنايا والبلايا، يكاد يفسر لدي الحكمة من ذلك الرحيل الذي أجبرت عليه، لأكون شاهداً عليه، لعلني أنقل تلك الخبرة لإخواني يوماً ما!! وها هو الوقت أظنه قد حان؛ كي أؤدي تلك الأمانة؛ بإرسال هذه الصرخة التحذيرية لإخواني على الطريق إلى الله، والذين خرجوا لتوهم من أجواء المساجد وحلق العلم، إلى دهاليز هذا العالم القذر بفتنه والثقيل بمسؤلياته!!
وعليه، فإذا كان دخولنا إلى هذا العالم من الأساس بناءً على الأصول والمبادئ التي أشادوا عليها بنيانه، فإنه والله لن يبقي لنا في نهاية المطاف من إسلامنا حبة خردلٍ!! ومن ظن غير ذلك فهو الواهم المتوهم!!
حيث أن مرجعية أصولهم تنطلق في أساسها من فصل الدين عن الدولة!! أما ما ورطوا فيه أنفسهم من تلك الزخارف الدعائية (للحرية والعدالة) وما إلى ذلك من الدعايات التي يستخدمونها فقط لتزيين ما بين السطور، فيجب أن نكون على يقين من أنها تأتي دائماً عند الإسلام وتمتنع تماماً من الصرف!!
وعليه فمن أدرك ذلك الفارق العقائدي الكبير بين الرغبة الحقيقية في تحكيم الإسلام (كواجب شرعي) بكل ما يعنيه هذا التحكيم من شروط وتوابع، وبين مجرد تمثيل بعض الرموز الإسلامية في مناصب الحكم يجب عليه تصحيح النية أولاً لسلامة المعتقد، وإلا فستكون القافلة قد حادت برمتها عن الطريق منذ اللحظة الأولى لانطلاقها!!
وسوف ينحط بها الترخص إلى حد قبول ولوج ذلك العالم من بوابة أعداء الدين، ووفقاً لشروطهم، وهذا الأمر له من التوابع ما الله به عليم، ففضلاً عن الكثير مما وقع وسوف يقع من التنازلات، فإن مسألة الخضوع لقواعد لعبتهم القذرة، هي أشد الأمواس إيلاماً في حلق ما تبقى من الدين لدى من سيلجون هذا العالم من بوابتهم، وبناءً على قواعدهم وأصولهم!!
ناهيك عن أن سحر الأضواء، وزهوة السلطة، وما سوف يتسرب منها إلى القلوب حتماً مع مرور الأيام؛ كفيلٌ بأن يحدث فيها من الخلل ما الله به عليم، تارة تحت تاثير مدح المنافقين، وأخرى في خضم هيلامانة البروتوكولات التي لابد من مجاراتها؛ حتى لا يتهموننا بالرجعية والتخلف!!
ليخرج لنا في نهاية المطاف (نسيج مهلهل)!! هو عبارة عن :
(بقايا فتات من انخدعوا بدهاليز السياسة من الإسلاميين)!!
وعليه فإن المخاوف التي تساورني بالفعل في هذه المسألة، تتلخص في أمرين :
الأول : الحفاظ على سلامة المعتقد لمن دخلوا هذا المعترك من الإسلاميين، وتصحيح النية دوماً، وترسيخ مصداقيتها في العمل للإسلام فحسب، والسعي الخالص لتحكيم الإسلام، بعيداً عن إخضاعه لقواعد لعبتهم السياسية القذرة!!
الثاني : الحفاظ على جوهر القلوب، وعدم افتتانها بزيف وبهارج السلطة، والتمسك بهدي السلف الصالح في حرصهم على الزهد فيها، وتحليهم بخلق التواضع مع الناس، حتى نترك في نفوسهم الانطباع اللائق بهذا الدين.
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يبعث بالمنادي في الناس قائلاً : الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس إليه، صعد المنبر وذكَّر الناس أنه لا يعدو كونه خادماً لهم، ثم راح يوبخ نفسه ويحقرها، حتى تعجب أحد أصحابة من صنيعه؛ فسأله أحدهم : لم جمعتنا يا أمير المؤمنين، فوالله ما زدت عن توبيخ نفسك وتحقيرها!!
فرد عليه قائلاً : (حدثتني نفسي أنِّي أمير المؤمنين، فأردت أن أعرفها قدرها حتى لا تغتر!!)
وفي عصرنا الحاضر، يضرب الملا عمر (حفظه الله) مثالاً يحتذى في الترفع عن بهارج الدنيا وزينتها، حين عمد وهو الرئيس أن يكون العبد الخفي التقي، ولم يحرص مطلقاً على أي نوع من الشهرة أو الدعاية على الرغم من كونه رئيس الدولة، حتى أن أعداءه حين أردوا نشر صورته للإعلان عن مكافأة مالية لمن يقبض عليه أو يقتله بعد أحداث سبتمبر، لم يجدوا له ولا صورة واحدة!!
ولم يكن هذا منه حرصاً على الناحية الأمنية، حيث لم يكن يتوقع حصول هذه الأحداث أصلاً، وإنما كان ذلك منه زهداً في أن يعرفه الناس!! لأن الأصل عنده أن يقيم حكم الله، حتى ولو لم يعرفه أحد، فيكفيه أن يعرفه رب الناس!! لذا فقد حظي بالرضا والقبول من عامة المسلمين.
وهنا يتضح الفارق جلياً بين من يريد مجرد تمثيل الدين، وبين من يعرف مقتضيات تمثيل هذا الدين!!
ألا وإن أولى مقتضيات تمثيل هذا الدين، هو الزهد في هذه المناصب الدنيوية، والنظر إليها من منطلق أنها حسرة وندامة يوم القيامة، ولولا إجبار الجماعة المسلمة له على تولي هذا المنصب، ما سعى إليه ولا رغب فيه من الأساس!! حيث يكفيه السؤال عن نفسه وعن ذنوبه غداً بين يدي الله تعالى!!
أما من غفل عن تلك المعاني، وطاقت نفسه إلى تلك المناصب جهلاً وغروراً، فحري بأمثاله أن يسلم زمام قياده سريعاً إلى شياطين الإنس، الذين يمكلون من الخبرات الكافية على مدار عقود طويلة؛ مايؤهلهم لمعرفة من أين تؤكل الكتف؟! وبأي الحيل يمكن شراء ذمم كافة السياسيين في العالم؛ وهل هناك أخبر من قادة الماسونية العالمية بكافة الحيل الخبيثة التي سيطروا بها على كل حكومات العالم؟!
فمن وجدوا فيه ميولاً لحب المال دنسوه في وحل الخيانة والرشاوى، ما يعجز معه عن رفع رأسه أو التلفظ بكلمة اعتراض واحدة!!
ومن كان مدخله النساء، عرفوا كيف يربطون عنقه بقدميه؛ حتى يصير عبداً ذليلاً بين أيديهم؛ تماماً كما كان عبداً ذليلاً لشهوته!!
ومن كان مقتله في حب المناصب والسلطة، سخروها له، بقدر ما سخر نفسه إليهم وصار رهن إشارتهم!!
مما جعلهم في نهاية المطاف يتحكمون في الجميع تحكمهم في العرائس التي تتحرك بالخيوط في أي اتجاه يريدون!!
ولم يصمد أمام مغرياتهم، ويسلم من مكرهم، بل ويستعصي عليهم طوال
هذه العقود، سوى أصحاب العقيدة الإسلامية الراسخة!!
وهم الذين استعلوا بسموهم عن حطام هذه الدنيا الحقيرة، وتطلعوا بأشواقهم إلى رياح الجنة، حيث صحبة الأحبة محمد (صلى الله عليه وسلم) وصحبه!!
وهم الذين اشتروا آخرتهم بدنايهم، فصلحت لهم الدارين معاً!!
والتاريخ يشهد على مواقفهم التي سجلها بمداد من ذهب!! وفي مقدمتها
موقف السلطان/ عبد الحميد الذي فضل القتل على بيع فلسطين، ومؤخراً شيخ المجاهدين /أسامة بن لادن، الذي بلغ بهم الخوف منه، أن يكون له مجرد قبر على وجه الأرض، فألقوا بجسده في البحر، ليكون شاهداً له يوم القيامة بإذن الله على حسن الشهادة في سبيل الله!!
إن كل من استعصى على الخضوع لأجندة برتكولات حكماء صهيون، ليس له عندهم حسب معاييرهم سوى التصفية والقتل، ولكن عقيدتنا
كمسلمين، أنه لن تموت نفسٌ؛ حتى تستوفي أجلها ورزقها؛ تجعلنا دائماً في موقعٍ مشرف في المنازلة أمام أعداء الله (فإما النصر أو الشهادة)!!
فلنجعل الإسلام أجندتنا الأولى والأخيرة، ونعلن ذلك دون خجل أمام العالمين، فمهما قدم لهم الواهمون من تنازلات، فلن يقبلوا بغير تنازلنا عن هذا الدين!! قال تعالى : (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)!!
فاللهم انصر دينك وكتابك وعبادك الصالحين



رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)