+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 1 2 3 4 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 77

الموضوع: موسوعة الصحابة

  1. #16

    4


    تقديمه نفسه فداء للنبي :

    عندمات اجتمعت قبيلة قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي والتخلص منه، أعلم الله نبيه بذلك، وكان النبي أحكم خلق الله، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر على بن أبى طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله والأعداء أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت هو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين الرسول الله في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل الله – تعالى-، وقد أمره النبي أن يقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة , وقد جاء في رواية: أن رسول الله قال له: نم في فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الخضري، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم .وقال ابن حجر، وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: فرقد علىُّ على فراش رسول الله يوارىعنه، وباتت قريش تختلف، وتأتمر، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى أصبحوا فإذا هم بعلى، فسألوه، فقال: لا علم لي، فعلموا أنه قد فر,وعن ابن عباس: إن عليًا قد شرى نفسه تلك الليلة حين لبس ثوب النبي، ثم نام مكانه , وفي على وإخوانه من الصحابة المجاهدين الذين يبتغون رضوان الله والدار الآخرة نزل قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" [البقرة: 207].

  2. #17

    4


    هجرته:





    لما أصبح على، رضي الله عنه، قام عن فراشه، فعرفه القوم وتأكدوا من نجاة رسول الله ، فقالوا لعلى: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، أو رقيبًا كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج. وضاق القوم بتلك الإجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم، وقد عموا عنه فلم يروه، فانتهروا عليًا وضربوه، وأخذوه إلى المسجد فحبسوه هناك ساعة، ثم تركوه , وتحمل على ما نزل به في سبيل الله، وكان فرحه بنجاة رسول الله أعظم عنده من كل أذى نزل به، ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله ، وانطلق على في مكة يجوب شوارعها باحثًا عن أصحاب الودائع التي خلفه رسول الله من أجلها، وردها إلى أصحابها، وظل يرد هذه الأمانات حتى برئت منها ذمة رسول الله ، وهناك تأهب للخروج ليلحق برسول الله بعد ثلاث ليال قضاهن في مكة .

    وكان على في أثناء هجرته يكمن بالنهار فإذا جن عليه الليل سار حتى قدم المدينة، وقد تفطرت قدماه , وهكذا يكون على رضي الله عنه، قد لاقى في هجرته من الشدة ما لاقى، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس وفي مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة، ولو أضفنا إلى ذلك أنه – رضي الله عنه – قد قطع الطريق على قدميه دون أن يكون معه رفيق يؤنسه، لعلمنا مقدار ما تحمله من قسوة الطريق ووعثاء السفر ابتغاء مرضاة الله – عز وجل – وأنه في نهاية المطاف سيلحق برسول الله ، ويستمتع بجواره أمنًا مطمئنًا في المدينة، ولم يكد علىّ يقطع الطريق ويصل إلى المدينة حتى نزل في بنى عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم، حيث كان ينزل رسول الله , وهكذا كانت هجرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب – رضي الله عنه – تضحية وفداء وتحملاً وشجاعة وإقدامًا.

    وقد لاحظ _ على رضي الله عنه _ مدة إقامته بقباء امرأة مسلمة لا زوج لها، ورأى إنسانًا يأتيها من جوف الليل، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه، فيعطيها شيئًا معه، فتأخذه، ولنستمع إليه رضي الله عنه وهو يحدثنا بالقصة حيث قال: فاستربت بشأنه، فقلت لها: يا أمة الله، من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه، فيعطيك شيئًا لا أدري ما هو؟ وأنت امرأة مسلمة، لا زوج لك؟ قالت: هذا سهل بن حنيف بن وهب، قد عرف أني امرأة لا أحد لي، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها فقال: احتطبي بهذا, فكان على رضي الله يؤثر ذلك من أمر سهل بن حنيف حتى هلك عنده بالعراق .ونلاحظ صفة النباهة واليقظة التي لابد للمسلم أن يتحلى بها ولا يكون غافلاً عما يدور حوله.




  3. #18

    4


    ملازمته لرسول الله


    كان على رضي الله عنه واحدًا من المكيين الذين قرأوا وكتبوا في مجتمعهم الأمي، وهذا دليل على حبه للعلم وشغفه به منذ صغره، وقد وفقه الله تعالى أن يعيش منذ طفولته في بيت رسول الله ، فتربي على يديه وزادت عناية رسول الله به بعد إسلامه، فكان رسول الله الرافد القوى الذي أثر في شخصيته وصقل مواهبه وفجر طاقته، وهذب نفسه، وطهر قلبه ونور عقله، وأحيا روحه، فقد لازم رسول الله في مكة والمدينة، وقد كان حريصًا على التتلمذ على يدي رسول الله ، الذي كان يربي أصحابه على القرآن الكريم، فقد كان هو الينبوع المتدفق الذي استمد منه على رضي الله عنه علمه وتربيته وثقافته، وقد كان النبي تنزل عليه الآيات منجمة على حسب الوقائع والأحداث، وكان يقرؤها على أصحابه الذين وقفوا على معانيها وتعمقوا في فهمها، وتأثروا بمبادئها، وكان له أعمق الأثر في نفوسهم وعقولهم وقلوبهم وأرواحهم، كما كان على رضي الله عنه واحدًا من الذين تأثروا بالتربية القرآنية على يدي رسول الله وتشرّب تعاليمه وتوجيهاته النبوية، وقد اهتم على رضي الله عنه منذ أسلم بحفظ القرآن الكريم وفهمه وتأمله، وظل ملازمًا للرسول يتلقى عنه ما أنزل عليه حتى تم له حفظ جميع آياته وسوره، لقد حصل على رضي الله عنه ببركة صحبته لرسول الله وتربيته على يديه خيرًا كثيرًا، وأصبح من الخلفاء الراشدين فيما بعد، فقد حرص على التبحر في الهدى النبوي الحكيم في غزواته وسلمه، وأصبح لعلي رضي الله عنه علم واسع ومعرفة غزيرة بالسنة النبوية المطهرة، فقد استمد من رسول الله علمًا وتربية ومعرفة بمقاصد هذا الدين العظيم، وقد جمع بين رسول الله وبين على حب شديد، والحب عامل مهم في تهيئة مناخ علمي ممتاز بين المعلم وتلميذه، يأتي بخير النتائج العلمية، والثقافية، لما له من عطاء متجدد، وعلى رضي الله عنه قد أحب رسول الله حبًا جمًا، وتعلق فؤاده به، وقدم نفسه فداء له، وتضحية في سبيل نشر دعوته.

  4. #19

    4


    أهم أعمال على بن أبى طالب رضي الله عنه

    ما بين الهجرة والأحزاب


    شرع رسول الله بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية، فآخي بين المهاجرين والأنصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان على رضي الله عنه ملازمًا له في كل أحواله، منفذًا لأوامره، متتلمذًا على هدية.



    أولاً: حركة السرايا:



    بمجرد الاستقرار الذي حصل للمسلمين بقيادة الرسول في المدينة بدأت حركة السرايا التي استهدفت بسط هيبة الدولة في الداخل والخارج، وكسب بعض القبائل وتحجيم دور الأعراب، وتربية الصحابة على الإعداد القتالي للغزوات الكبرى، وحركة الفتوحات ميدان لصناعة القادة عمليًا، وقد شارك في هذه السرايا أمير المؤمنين على رضي الله عنه التي حدثت قبل بدر وما بعدها، وأما التي شارك فيها قبل غزوة بدر الكبرى فمنها:

    1- غزوة العشيرة:وفيها غزا قريشًا، واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وسميت هذه الغزوة بغزوة العشيرة، فأقام بها جمادي الأولى وليالي من جمادي الآخرة، وادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدًا، وذلك أن العير التي خرج لها قد مضت ذلك بأيام ذاهبة إلى الشام, فساحلت على البحر، وبلغ قريشًا خبرها فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله



    ووقعت عزوة بدر الكبرى, وقد حدثنا عمار بن ياسر عن مشاركته وعلى رضي الله عنهما في تلك الغزوة، فعن عمار ابن ياسر قال: كنت أنا وعلى رفيقين في غزوة ذى العشيرة، فلما نزلها رسول الله وأقام بها رأينا ناسًا من بنى مدلج يعملون في عين لهم في نخل، فقال لي على: يا أبا اليقظان هل لك أن تأتي هؤلاء فتنظر كيف يعملون؟ فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلى، فاضطجعنا في صور من النخل، في دقعاءمن التراب فنمنا، فوالله ما أهبنّا إلا رسول الله يحركنا برجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فيومئذ قال رسول الله لعلي: يا أبا تراب، لما رأى عليه التراب قال: «ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟» فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: «أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا على على هذه [يعنى قرنه] حتى تُبَل منه هذه [يعنى لحيته]»,وقد تكرر نداء رسول الله لعلي بأبي تراب

    2- غزوة بدر الأولى: سببها: أن كرز بن جابر الفهري، قد أغار على سَرْحالمدينة ونهب بعض الإبل والمواشي، فخرج رسول الله في طلبه، حتى بلغ واديًا يقال له «سفوان» من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه، فرجع رسول الله إلى المدينة, وقد أعطى الحبيب المصطفى أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه لواءه الأبيض.وتعتبر حركة السرايا بداية الجهاد القتالي ضد أعداء الدعوة، مع حركة السرايا والبعوث والغزوات التي خاضها رسول الله × ضد المشركين ظهرت جليًا سنة التدافع التي تعامل معها النبي وأصحابه ومن بينهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب، وهذه السنة متعلقة تعلقًا وطيدًا بالتمكين لهذا الدين، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه العزيز وجاء التنصيص عليها في قوله تعالى: وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ"[البقرة:251]، وفي قوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"[الحج:40].



    ثانيًا: غزوة بدر:



    قال النووي رحمه الله:وأجمع أهل التواريخ على شهوده بدرًا، وسائر المشاهد غير تبوك، قالوا: وأعطاه النبي اللواء في مواطن كثيرة.

    كان على بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المجاهدين الذين شاركوا في غزوة بدر، ولنتركه يقص علينا خبر هذه الغزوة، فعن حارثة بن مضرب بن على أبى طالب رضي الله عنهقال: وكان النبي يتخبَّر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد
    أقبلوا، سار رسول الله
    إلى بدر، وبدر بئر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم، رجلاً من قريش ومولى لعقبة بن أبى معيط، فأما القرشي فانقلب، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى النبي ، فقال له: كم القوم؟ قال: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، فجهد النبي أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إن النبي سأله: «كم ينحرون من الجزر»، فقال: عشرًا كل يوم، فقال رسول الله : «القوم ألف، كل جزور لمئة وتبعها»، ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فأنطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها، من المطر، وبات رسول الله يدعو ربه عز وجل يقول: «اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد»، قال: فلما طلع نادى: الصلاة عباد الله، فجاء الناس، من تحت الشجرة والحجف، فصلى بنا رسول الله ×، وحرض على القتال، ثم قال: إن جمع قريش تحت هذه الصَّلع الحمراء من الجبل. فلما دنا القوم منا وصاففناهم، إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم، فقال رسول الله : يا على ناد حمزة.وكان أقربهم من المشركين: من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم، ثم قال رسول الله : «إن يكن في القوم أحد يأمر بخير، فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر»، فجاء حمزة فقال: هو عتبة بن ربيعة، وهو ينهي عن القتال، ويقول لهم: يا قوم إني أرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي، وقولوا: جَبُن عتبة بن ربيعة، وقد علمتم أني لست بأجبنكم، قال، فسمع ذلك أبو جهل، فقال: أنت تقول هذا؟ والله لو غيرك يقول هذا لأعضضته، قد ملئت رئتك وجوفك رعبًا. قال عتبة: إياى تُعيّر يا مُصفَّر إسته؟ ستعلم اليوم أينا الجبان. قال: فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية، فقالوا: من يبارز؟ فخرج فتية من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن يبارزنا من بنى عمنا، من بنى عبد المطلب، فقال رسول الله : «قم يا على، قم يا حمزة، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب». فقتل الله تعالى عتبة وشيبة ابنى ربيعة، والوليد بن عتبة، وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح، من أحسن الناس وجهًا، على فرس أبلق، ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: اسكت فقد أيدك الله تعالى بملك كريم.فقال على: فأسرنا من بنى عبد المطلب: العباس وعقيلاً، ونوفل بن الحارث، ومن وصف على رضي الله عنه لغزوة بدر نلاحظ دروسًا وعبرًا وفوائد كثيرة يمكن الرجوع إليها في كتابي السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث.






  5. #20

    افتراضي


    علي رضي الله عنه في غزوة أحد:



    في غزوة أحد بدأ القتال بمبارزة بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وطلحة بن عثمان, وكان بيده لواء المشركين, وطلب المبارزة مرارًا, فخرج إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له علي: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار أو يعجلني بسيفك إلى الجنة, فضربه علي, فقطع رجله فوقع على الأرض فانكشفت عورته فقال: يا ابن عمي أنشدك الله والرحم! فرجع عنه ولم يجهز عليه, فكبر رسول الله وقال لعلي بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني الرحم حين انكشفت عورته فاستحييت منه. وكان رضي الله عنه بعد الالتحام في ميمنة الجيش, وأخذ الراية بعد مقتل مصعب بن عمير رضي الله عنه.

    في هذه المعركة قتل من المشركين خلقًا كثيرًا, رغم ما أصاب المسلمين من الشدة في هذه الغزوة, إضافة إلى بلائه في الدفاع عن رسول الله , وكان علي رضي الله عنه هو الذي أخذ بيد رسول الله حينما وقع في الحفرة يوم أحد, لقد استشهد في تلك الغزوة عدد كبير من خيرة المهاجرين والأنصار, وتركت حزنًا عميقًا في نفس الرسول ×, كما أصاب العدو من الرسول الكريم, فأدموا وجهه الشريف, فقامت ابنته فاطمة وزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بمداواة جراحه, وإيقاف الدم الذي كان ينزف على وجهه ولحيته عليه الصلاة والسلام.

    وظهرت شجاعة علي رضي الله عنه في تلك المعركة, فعندما أشيع أن الرسول قتل, وافتقده عليَّ, رأى أن الحياة لا خير فيها بعده, فكسر جفن سيفه, وحمل على القوم حتى أفرجوا له, فإذا برسول الله , فثبت معه ودافع عنه دفاع الأبطال, وقد أصابته ست عشرة ضربة في ذلك اليوم.
    وبعد انسحاب جيش المشركين من أرض المعركة أرسل رسول الله علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد الغزوة مباشرة, وذلك لمعرفة اتجاه العدو, فقال له: «اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون, فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة, وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة, والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم», قال علي: فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون, فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة, فخرج علي رضي الله عنه، وأخبر رسول الله بخبر القوم.

    على رضي الله عنه في غزوة بني النضير:

    يرى المحققون من المؤرخين أن غزوة بنى النضير كانت بعد أحد في ربيع الأول من السنة الرابعة من الهجرة، وقد رد ابن القيم على من زعم أن غزوة بنى النضير بعد بدر بستة أشهر بقوله: وزعم محمد بن شهاب الزهري: أن غزوة بنى النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها بعد أحد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بنى قينقاع، وقريظة بعد الخندق، وخيبر بعد الحديبية, وقال ابن العربي: والصحيح أنها بعد أُحد، وإلى هذا الرأي ذهب ابن كثير, ففي هذه الغزوة فقد الصحابة على بن أبى طالب رضي الله عنه ذات ليلة، فقال النبي : «إنه في بعض شأنكم»، فعن قليل جاء برأس عَزْوَكَ، وقد كمن له حتى خرج في نفر من اليهود يطلب غرة من المسلمين، وكان شجاعًا راميًا، فشد عليه على رضي الله عنه فقتله، وفر اليهود.
    على رضي الله عنه في غزوة حمراء الأسد:
    تعتبر هذه الغزوة مكملة لغزوة أحد، فقد عاد المسلمون من أحد مساء السبت الخامس عشر من شوال من السنة الثالثة للهجرة، وما أن أصبح الصباح وخرج الناس من صلاة الفجر إلا وأذنَّ مؤذن رسول الله × بالتهيؤ على جناح السرعة لمطاردة العدو، وألا يخرج من الناس إلا من شهد أُحُدًا، فاستجاب الناس لنداء رسول الله مع ما بهم من جراحات وتعب، وكان في مقدمتهم رسول الله ، ولم يسمح لعبد الله بن أبىَّ بالخروج معه، ولا لأحد لم يشهد أحُدًا إلا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الذي استشهد أبوه في أُحُد، وكان قد منعه من الاشتراك في بدر وأحد ليبقى عند أخواته البنات، وخرج الجيش وفي مقدمتهم رسول الله ، ويحمل اللواء، لواء أحد نفسه علىُّ بن أبى طالب, وصل المسلمون بقيادة رسولهم الكريم إلى حمراء الأسد التي تبعد عن المدينة ثلاثة عشر ميلاً، حيث حطُّوا الرحال فيها، وقد أدهشت هذه الحركة اليهود والمنافقين لما فيها من جرأة وشجاعة، وأيقنوا أن الروح المعنوية عالية، وأنهم لو هُزموا لما عملوا على مطاردة قريش( ), كما أن في خروج النبي × إلى حمراء الأسد إشارة نبوية إلى أهمية استعمال الحرب النفسية للتأثير على معنويات الخصوم، فخرج × بجنوده إلى حمراء الأسد ومكث فيها ثلاثة أيام، وأمر بإيقاد النيران، فكانت تشاهد من مكان بعيد وملأت الأرجاء بأنوارها حتى خيل لقريش أن جيش المسلمين ذو عدد كبير لا طاقة لهم به، فانصرفوا وقد ملأ الرعب أفئدتهم.
    قال ابن سعيد: ومضى رسول الله بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد، وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه فكبت الله تعالى بذلك عدوهم, وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحرب الباردة وسجلها المولى عز وجل في كتابه في معرض الثناء على الصحابة: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ  الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ  إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ" [آل عمران: 172- 175].
    على رضي الله عنه وموقفه من حادثة الإفك:
    ورد حديث الإفك الذي اتهم فيه المنافقون عائشة رضي الله عنها به، أن رسول الله استدعى عليًا وأسامة واستشارهما في فراق أهله، لما كثر القول وأقلق النبي ، واستلبث الوحي، فأما أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم من براءتها، فقال: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا، وأما على بن أبى طالب رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك , قالت: فدعا رسول الله بريرة فقال: أي بَريَرة هل رأيت من شيء يَريبك؟قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله، فقام رسول الله، فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أُبى ابن سلَول قالت: فقال رسول الله × وهو على المنبر: فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلاً( ), ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. إن الكلام الذي قاله علىّ إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي ، لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل. وكان شديد الغيرة، فرأى على رضي الله عنه في بادئ الأمر أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن تتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهاب أشدهما, وقال النووي: رأى على أن ذلك هو المصلحة في حق النبي ، واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة، لإرادة راحة خاطره , كما أن عليا رضي الله عنه لم ينل عائشة – رضي الله عنها- بأدنى كلمة يفهم منها أنه عرَّض بأخلاقها، أو تناولها بسوء, بل كان رأيه خيرًا لها، فهو يقول إن أردت أن ترتاح من المشكلة فإن غيرها كثير، وإن أردت الوصول للحقيقة، فاسأل الجارية توصلك إليها، وهي براءة عائشة، ثم بعد ذلك خطب رسول الله الناس وبين براءة عائشة، وخطورة من يخوض في عرضه ظلمًا وزورًا، وقد بدت نصيحة على وأسامة بن زيد معًا إيجابيتين، وفي صالح عائشة رضي الله عنها، فقد ازداد
    النبي × قناعة بما علم من خير في أهله.


  6. #21

    4

    أهم أعمال علي رضي الله عنهما بين الأحزاب إلى وفاة النبي

    أولاًَ: علي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب:


    كان موقف أمير المؤمنين على رضي الله عنه في الأحزاب بطوليًّا رائعًا ينم عن مدى رسوخ العقيدة في قلوب أصحاب النبي ×، والدعوة إليها، والموت في سبيلها، والبراءة ممن خالفها، قال ابن إسحاق: وخرج على بن أبى طالب في نفر من المسلمين بعد أن اقتحمت خيل المشركين ثغرة في الخندق حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها خيلهم، وأقبلتن الفرسان تعدو نحوهم، وكان عمرو بن عبد وقد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراح، فلم يشهد يوم أُحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلمًا لُيرَى مكانه فلما وقف هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له على بن أبى طالب فقال له: يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى أحد خلتين إلا أخذتها منه، قال له: أجل، قال له على: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى النّزل، فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال له على: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقرها، وضرب وجهه، ثم أقبل على علىًّ، فتنازلا وتجاولا فقتله على رضي الله عنه، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
    وبعد مقتل عمرو بن عبد ود بعث المشركون إلى رسول الله يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: ادفعوا إليهم جيفتهم، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئًا.
    وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟ .
    ثانيًا: علي رضي الله عنه في غزوة بنى قريظة:
    وكان فيها رضي الله عنه حامل راية رسول الله في المقدمة, إلى أن حكم فيها سعد ابن معاذ، وكان في بادئ الأمر لم ينزلوا على حكمه، قال ابن هشام: إن علىّ بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة: يا كتيبة الإيمان، وتقدم هو والزبير بن العوام، وقال: والله لأذوقن ما ذاق حمزة، أو لأقتحمن حصونهم، فقالوا: يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ، وهكذا أنزل الله تعالى الرعب والخوف في قلوب أعداء العقيدة والدين، على لسان ذاك التقى النقي لما آتاه الله من حب الاستبسال والموت في سبيل عزة دين الله تعالى، وقد نادى كتيبته بأحب الأسماء التي ينادي بها الله تعالى عباده ألا وهو نداء الإيمان الذي يتجلى فيه صدق الاعتقاد، وصلاح العمل، وحب الجهاد في سبيله تعالى.
    ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى النساء والذرية، وأن تقسم الأموال, فكان من الذين يباشرون القتل على بن أبى طالب والزبير رضي الله عنهما.
    ثالثًا: علي رضي الله عنه في صلح الحديبية وبيعة الرضوان:
    في غزوة الحديبية وقبل الصلح، خرج بعض العبيد (الأرقاء) من مكة إلى رسول الله ، فكتب إليه مواليهم بإرجاعهم، فرفض رسول الله أن يرجعهم وقال: «يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم من يضرب رقابكم بالسيف على الدين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان»، فسأله الصحابة بتلهف: من هو يا رسول الله؟ وكلهم يرجو أن يفوز هو بهذه الشهادة العظيمة من رسول الله ، فقال : هو خاصف النعل، وكان قد أعطى عليًا بخصفها, ولَّما تَم الصلح بين المسلمين ومشركي قريش، كتب على كتابًا بينهم قال: فكتب: محمد رسول الله، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسول الله لم نقاتلك. فقال لعلي: امحه قال: ما أنا بالذي أمحوه، فمحاه رسول الله بيده فصالحهم على أن يدخل هو وأصحابه ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبَّان السلاح, وقد امتنع على رضي الله عنه عن محو كلمة (رسول الله) بدافع محبته لرسول الله وتعظيمه. وقد طعن الروافض الغلاة في موقف الصحابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم في الحديبية، وذكروا من مراجعة عمر للنبي في أمر الصلح، وكذلك تأخر الصحابة في بداية الأمر عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله وحلق، ولا مطعن في شيء من هذا في أصحاب رسول الله لا عمر ولا غيره من الصحابة الذين شهدوا الحديبية، وبيان ذلك أن الرسول كان قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع أمر الصلح، وفيه أن يرجعوا عامهم هذا، ثم يعودوا العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله , فجعل عمر- رضي الله عنه – على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه يسأل رسول ويراجعه في الأمر، ولم تكن أسئلته التي سألها رسول الله لشك في صدق الرسول ، أو اعتراض عليه، لكن كان مستفصلاً عما كان متقررًا لديه، من إنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين.
    قال النووي:قال العلماء: لم يكن سؤال عمر – رضي الله عنه – وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه- رضي الله عنه – وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين, فعمر – رضي الله عنه – كان في هذا مجتهدًا حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله من المشورة وإبداء الرأي امتثالاً لأمر الله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" [آل عمران: 159]، وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة، أو يخرج للعدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليه فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجئ لقتال، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال. وفي حوادث كثيرة يطول ذكرها، فقد كان عمر- رضي الله عنه- يطمع أن يأخذ رسول الله برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله لما يعلم من حسن نيته وصدقه.
    رابعًا: عمرة القضاء 7هـ وعلى رضي الله عنه، وحضانة ابنة حمزة رضي الله عنهما:
    لقد تغيرت النفوس والعقول بتأثير الإسلام تغيرًا عظيمًا، فعادت البنت- التي كان يتعير بها أشراف العرب، وجرت عادة وأدها في بعض القبائل فرارًا من العار، وزهدًا في البنات – حبيبة يتنافس في تربيتها المسلمون، وكانوا سواسية، ولا يرجح بعضهم على بعض إلا بفضل أو حق, فلما أراد النبي الخروج من مكة، تبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها على، فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي الله عنها: دونك ابنة عمك، فاختصم فيها على وزيد وجعفر. قال على: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: هى ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضي بها النبي لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقى، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا،وقال على لرسول الله : ألا تتزوج بنت حمزة. قال: إنها ابنة أخي من الرضاعة.
    خامسًا: علي رضي الله عنه في غزوة خيبر7هـ:
    ذكر ابن إسحاق, أنها كانت في المحرم من السنة السابعة للهجرة، وذكر الواقدى أنها كانت في صفر أو ربيع الأول من السنة السابعة للهجرة، بعد العودة من غزوة الحديبية، وذهب ابن سعد إلى أنها في جمادى الأولى سنة سبع، وقال الإمامان الزهري ومالك: إنها في محرم من السنة السادسة وقد رجح ابن حجر قول ابن إسحاق على قول الواقدى, وفي هذه الغزوة تجلت بطولة أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ومكانته عند الله وعند رسوله، وما قدر الله من فتح هذه المستعمرة اليهودية، ذات الأهمية العسكرية الاستراتيجية على يده في مظهر جلى رائع, فقد كانت خيبر مستعمرة يهودية تتضمن قلاعًا حصينة، وقاعدة حربية لليهود، آخر معقل من معاقلهم في جزيرة العرب، وكانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويتآمرون مع يهود المدينة وخارجها لغزو المدينة، فأراد رسول الله أن يستريح منهم، ويأمن من جهتهم، وكانت في الشمال الشرقي للمدينة على بعد سبعين ميلاً منها, توجه رسول الله بجيشه إلى خيبر، وكانوا ألفًا وأربعمائة، ونازل حصون خيبر، وبدأ يفتحها حصنًا حصنًا، واستعصى حصن القموص على المسلمين، وكان على بن أبى طالب رمدًا, فقال رسول الله : «لأعطين هذه الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها؟ فلما أصبح الناس، غدوا على رسول الله كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علىّ بن أبى طالب؟ فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله في عينيه، ودعا له فبرأ حتى كأنه لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال على: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن يكون لك حُمْر النَّعَم» فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر، وكان من صور بطولته فيها أن خرج له مرحب ملكهم
    وهو يقول:
    قد علمت خيبر أني مرحب
    شاكي السلاح بطل مُجرب

    إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبُ

    فقال على:
    أنا الذي سمتني أمي حيدرة
    كليث غابات كريه المنظرة

    أُوفيهم بالصاع كيل السندرة

    فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه

  7. #22

    افتراضي


    تشرفه بغسل النبي ودفنه:
    لما توفى النبي كان على ممن باشر غسله مع الفضل بن العباس وأسامة بن زيد. وقال على رضي الله عنه: غسلت رسول الله ، فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا وكان طيبًا حيًا وميتًا, وقال: بأبى الطيب، طبت حيًا وطبت ميتًا, وكان على رضي الله عنه من ضمن من نزل في قبر رسول الله وباشروا دفنه هو والفضل بن عباس، وقثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله, لقد كان نبأ وقاة رسول الله على الصحابة الكرام كالصاعقه لشدة حبهم له وما تعودّوه من العيش في كنفه، عيش الأبناء في حجر الآباء بل أكثر من ذلك، وكان حظ أهل البيت والأسرة الهاشمية – وعلى رأسها فاطمة بنت رسول الله وعلى بن أبى طالب – أوفر وأكثر بطبيعة الحال، وبحكم الفطرة السليمة والقرابة القريبة، وما يمتازون به من رقة الشعور، وقوة العاطفة، وشدة الحب ولكن احتملوه بقوة إيمانهم والرضا بقضاء الله والاستسلام لأمره.



  8. #23

    4

    علي بن أبى طالب رضي الله عنه في عهد الصديق
    أولاً: مبايعة علي لأبى بكر بالخلافة رضي الله عنهما:
    وردت أخبار كثيرة في شأن تأخر علي عن مبايعة الصديق، وكذا تأخر الزبير بن العوام، وجُلّ هذه الأخبار ليست بصحيحة، وقد جاءت روايات صحيحة السند تفيد بأن عليًا والزبير – رضي الله عنهما- بايعا الصديق في أول الأمر، فعن أبى سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: لما توفى رسول الله قام خطباء الأنصار..فذكر بيعة السقيفة, ثم قال: ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا، فسأل عنه، فقام أناس من الأنصار، فأتوا به، فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ، فبايعه، ثم لم ير الزبير بن العوام، فسأل عنه حتى جاءوا به، فقال: ابن عمّة رسول الله وحواريه، أردت أن تشق عصا المسلمين، فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعاه.
    ثانيًا: علي رضي الله عنه ومساندته لأبى بكر في حروب الردة:
    كان علي رضي الله عنه لأبى بكر رضي الله عنه عيبة نصح له، مرجحًا لما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين على أي شيء آخر، ومن الدلائل الساطعة على إخلاصه لأبى بكر ونصحه للإسلام والمسلمين وحرصه على الاحتفاظ ببقاء الخلافة واجتماع شمل المسلمين ما جاء من موقفه من توجه أبى بكر رضي الله عنه بنفسه إلى ذي القصة، وعزمه على محاربة المرتدين، وقيادته للتحركات العسكرية ضدهم بنفسه، وما كان في ذلك من مخاطرة وخطر على الوجود الإسلامي, فعن ابن عمر، رضي الله عنه يقول: «أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا»، فرجع فلو كان على رضي الله عنه – أعاذه الله من ذلك – لم ينشرح صدره لأبى بكر وقد بايعه على رغمًا من نفسه، فقد كانت هذه فرصة ذهبية ينتهزها على، فيترك أبا بكر وشأنه، لعله يحدث به حدث فيستريح منه ويصفو الجو له، وإذا كان فوق ذلك – حشاه الله – من كراهته له، وحرصه على التخلص منه، أغرى به أحدًا يغتاله، كما يفعل الرجال السياسيون بمنافسيهم وأعدائهم, وقد كان رأي علي رضي الله عنه مقاتلة المرتدين، وقال لأبى بكر لما قال لعلي: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أقول: إنك إن تركت شيئًا مما كان أخذه منهم رسول الله فأنت على خلاف سنة الرسول، فقال: أما لئن قلت ذاك لأقاتلنهم وإن منعوني عقالاً.
    ثالثًا: تقديم علي رضي الله عنه لأبى بكر:
    تواترت الأخبار عن على رضي الله عنه في تفضيله وتقديمه لأبى بكر رضي الله عنه،
    ومن أمثلة ذلك :-
    1- عن محمد ابن الحنفية قال: قلت لأبى: أي الناس خير بعد رسول الله ؟ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
    2- عن على رضي الله عنه قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر. ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبى بكر: عمر.
    3- عن أبى وائل شقيق بن سلمة قال:قيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله × فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.
    4- وقال علي رضي الله عنه:لا يفضلنى أحد على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى.
    5- قول علي لأبى سفيان رضي الله عنهما:إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً.


    رابعًا: اقتداء على بالصديق في الصلوات وقبول الهدايا منه:
    إن عليًا رضي الله عنه كان راضيًا بخلافة الصديق ومشاركًا له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا رافعًا إليه الشكاوي، مصليًا خلفه، محبًا له، مبغضًا من بغضه, وشهد بذلك أكبر خصوم الخلفاء الراشدين، وأصحاب النبي ومن تبعهم بهديهم، وسلك مسلكهم، ونهج منهجهم, فهذا اليعقوبي الشيعي الغالي في تاريخه يذكر أيام خلافة الصديق فيقول: وأراد أبو بكر أن يغزو الروم فشاور جماعة من أصحاب رسول الله ، فقدموا وأخروا فاستشار على بن أبى طالب فأشار أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت؟ فقال: بشرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا، وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم، وفي رواية: سأل الصديق عليًا كيف ومن أين تبشر؟ قال: من النبي حيث سمعته يبشر بتلك البشارة، فقال أبو بكر: سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن، سرك الله.
    خامسًا: الصديق والسيدة فاطمة وميراث النبي :
    قالت عائشة رضي الله عنها: إن فاطمة والعباس – رضي الله عنهما- أتيا أبا بكر- رضي الله عنه- يلتمسان ميراثهما من رسول الله وهما يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» وفي رواية قال أبو بكر رضي الله عنه....لست تاركًا شيئًا كان رسول الله يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ. وعن عائشة - رضي الله عنها – قالت: إن أزواج النبي ، حين توفى الرسول الله، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أبى بكر، ليسألنه ميراثهن من النبي، فقالت عائشة رضي الله عنها لهن: أليس قد قال رسول الله : «لا نورث، ما تركناه صدقة» وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «لا يقتسم ورثتى دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائى ومؤنة عاملي فهو صدقة».
    وهذا ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع فاطمة رضي الله عنها امتثالاً لقوله ×، لذلك قال الصديق: «لست تاركًا شيئًا كان رسول الله يعمل به إلا عملت به» وقال: «والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته».
    وقد تركت فاطمة رضي الله عنه منازعته بعد احتجاجه بالحديث وبيانه لها، وفيه دليل على قبولها الحق وإذعانها لقوله ،
    - تسامح السيدة فاطمة مع أبي بكر: وقد ثبت عن فاطمة – رضي الله عنها- أنها رضيت عن أبي بكر بعد ذلك، وماتت وهي راضية عنه، على ما روى البيهقي بسنده عن الشعبي أنه قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال على: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذنت له فدخل عليها يترضاها، فقال: والله ما تركت الدار والمال، والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله، ومرضاتكم أهل البيت، ثم ترضَّاها حتى رضيت قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوى والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من على، أو ممن سمعه من على.
    سابعًا: علي رضي الله عنه في وفاة الصديق:

    كان علي رضي الله عنه من ضمن من استشارهم الصديق فيمن يتولى الخلافة من بعده، وكان رأي علىأن يتولى الخلافة بعد الصديق الفاروق.
    ولما حان الرحيل ونزل الموت بأبي بكر، كان آخر ما تكلم به الصديق في هذه الدنيا قوله تعالى: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" [يوسف:101].وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر الصديق ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يومًا أكثر باكيًا وباكية من ذلك المساء الحزين، وأقبل على بن أبي طالب مسرعًا، باكيًا، مسترجعًا ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر فقال:
    رحمك الله يا أبا بكر كنت إلف رسول الله وأنيسه ومستراحه وثقته وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم يقينًا، وأشدهم لله تقوى، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله عز وجل، وأحوطهم على رسول الله ، وأحدبهم على الإسلام، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتًا، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم عنده، وأكرمهم عليه، فجزاك الله عن رسول الله وعن الإسلام أفضل الجزاء، صدقت رسول الله حين كذبه الناس، وكنت عنده بمنزلة السمع والبصر، سماك الله في تنزيله صديقًا فقال: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" [الزمر:33]، واستيه حين بخلوا، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم الصحبة، ثاني اثنين صاحبه في الغار، والمنزل عليه السكينة، ورفيقه في الهجرة، وخليفته في دين الله وأمته، أحسن الخلافة حين ارتدوا، فقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، ونهضت حين وهن أصحابه، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، ولزمت منهاج رسول الله إذ وهنوا، وكنت كما قال رسول الله ضعيفًا في بدنك قويًا في أمر الله، متواضعًا في نفسك عظيمًا عند الله تعالى، جليلاً في أعين الناس كبيرًا في أنفسهم، لم يكن لأحدهم فيك مغمز، ولا لقائل فيك مهمز، ولا لمخلوق عندك هوادة، الضعيف عندك قوى عزيز حتى تأخذ بحقه، القريب والبعيد عندك سواء، وأقرب الناس عندك أطوعهم لله عز وجل وأتقاهم...شأنك الحق والصدق، والرفق، قولك حكم وحتم، أمرك حلم وحزم، ورأيك علم وعزم، اعتدل بك الدين، وقوى بك الإيمان، وظهر أمر الله، فسبقت – والله – سبقًا بعيدًا، وأتعبت من بعدك إتعابًا شديدًا، وفزت بالخير فوزًا مبينًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضينا عن الله عز وجل قضاءه وسلمنا له أمره، والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدًا، كنت للدين عزًا، وحرزًا وكهفًا، فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد ، ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم وقالوا: صدقت.
    وجاء في رواية: أن عليًا قال عندما دخل على أبي بكر بعدما سُجى: ما أحد أحب أن ألقى الله بصحيفته أحب إلىّ من هذا المسجى .

  9. #24

    افتراضي

    علي رضي الله عنه في عهد الفاروق
    كان علي رضي الله عنه عضوًا بارزًا في مجلس شورى الدولة العمرية، بل كان هو المستشار الأول، فقد كان عمر رضي الله عنه يعرف لعلي فضله، وفقهه، وحكمته، وكان رأيه فيه حسنًا، فقد ثبت قوله فيه: أقضانا على, وقال ابن الجوزي: كان أبو بكر وعمر يشاورانه، وكان عمر يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن, وقال مسروق: كان الناس يأخذون عن ستة: عمر وعلى وعبد الله وأبي موسى وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب وقال: شاممت أصحاب محمد فوجدت علمهم انتهى إلى ستة نفر: عمر وعلى وعبد الله وأبي الدرداء وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، ثم شاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى رجلين منهم: إلى على، وعبد الله, وقال أيضًا: انتهى العلم إلى ثلاثة، عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق، فعالم المدينة على بن أبي طالب، وعالم الكوفة عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق، عالم المدينة ولم يسألهما, فكان على من هؤلاء المقربين، يشد من أزر أخيه، ولا يبخل عليه برأيه، ويجتهد معه في إيجاد حلول للقضايا، التي لم يرد فيها نص، وفي تنظيم أمور الدولة الفتية، والشواهد على ذلك كثيرة،

  10. #25

    افتراضي

    على رضي الله عنه في عهد عثمان بن عفان


    لم يكد يفرغ الناس من دفن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حتى أسرع رهط الشورى وأعضاء مجلس الدولة الأعلى إلى الاجتماع في بيت عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وقيل أنهم اجتمعوا في بيت فاطمة بنت قيس الفهرية أخت الضحاك بن قيس، ليقضوا في أعظم قضية عرضت في حياة المسلمين – بعد وفاة عمر -، وقد تكلم القوم وبسطوا آراءهم واهتدوا بتوفيق الله إلى كلمة سواء رضيها الخاصة والكافة من المسلمين, وقد أشرف على تنفيذ عملية الشورى واختيار الخليفة عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، وحقق رضي الله عنه أول مظهر من مظاهر الشورى المنظمة في اختيار من يتحمل أعباء الخلافة ويسوس أمور المسلمين، فهو قد اصطنع من الأناة والصبر والحزم وحسن التدريب ما كفل له النجاح في أداء مهمته العظمى, وقاد ركب الشورى بمهارة وتجرد، مما يستحق أعظم التقدير, قال الذهبي: ومن أفضل أعمال عبد الرحمن عزل نفسه من الأمر وقت الشورى، واختياره للأمة من أشار به أهل الحل والعقد، فنهض في ذلك أتم نهوض على جمع الأمة على عثمان، ولو كان محابيًا فيها لأخذها لنفسه، أو لولاها ابن عمه وأقرب الجماعة إليه سعد بن أبي وقاص, وقد تم الاتفاق على بيعة عثمان بعد صلاة صبح يوم البيعة اليوم الأخير من شهر ذى الحجة 23هـ/6نوفمبر644م، وكان صهيب الرومي الإمام إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف، وقد اعتم بالعمامة التي عممه بها رسول الله ×، وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد، منهم: معاوية أمير الشام، وعمير بن سعد أمير حمص، وعمرو بن العاص أمير مصر، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر وصاحبوه إلى المدينة, وجاء في رواية البخاري: فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرًا من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد، يا على إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل على نفسك سبيلاً فقال:أبايعك على سنة الله
    ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون, وجاء في رواية صاحب التمهيد والبيان أن على بن أبي طالب أول من بايع بعد عبد الرحمن بن عوف




  11. #26

    4


    خلافة على رضي الله عنه

    أولاً: كيف تمت بيعة على رضي الله عنه:

    تمت بيعة على رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق، ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر خير في الدنيا، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلمًا وزورًا وعدوانًا، يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين. قام كل من بقى بالمدينة من أصحاب رسول الله × بمبايعة على رضي الله عنه بالخلافة، وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان، رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين، رضي الله عنه، حريصًا عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقى من الصحابة بالمدينة، وخوفًا من ازدياد الفتن وانشارها، ومع ذلك لم يسلم من نقد بعض الجهال إثر تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه، لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار على رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم, فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد ابن الحنفية قال: كنت مع على رحمه الله وعثمان محصر قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام على رحمه الله، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خلَّ لا أم لك، قال: فأتى على الدار، وقد قتل الرجل رحمه الله، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك، فقال لهم على: لا تريدوني فإني لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا، فقالوا: لا والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك، قال: فإن أبيتم علىَّ فإن بيعتي لا تكون سرًا، ولكن أخرج إلى المسجد, فبايعه الناس, وفي رواية أخرى عن سالم ابن أبي الجعد عن محمد ابن الحنفية: فأتاه أصحاب رسول الله فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحدًا أحق بها منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله × فقال على: لا تفعلوا فإني لكم وزيرًا خير مني أميرًا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإنه ينبغي لبيعتي ألا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس.



  12. #27

    4


    ثانيًا: أحقية على بالخلافة:



    إن أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، هو على بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، وهذا ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى أحقية خلافة على رضي الله عنه في كثير من النصوص الشرعية منها:

    1- قال تعالى: وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا"[النور:55]، ووجه الاستدلال بها على حقيقة خلافة على رضي الله عنه أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم.

    2- قوله : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»ووجه الدلالة في هذا الحديث على أحقية خلافة على رضي الله عنه أنه أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وحافظوا على حدود الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وساروا بسيرة رسول الله في العدل وإقامة الحق.

    3- قوله : «خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء», وفي هذا الحديث إشارة إلى أحقية على رضي الله عنه حيث إن خلافته كانت آخر الثلاثين من مدة خلافة النبوة التي حددها النبي × في هذا الحديث وبموجب هذا قال أهل العلم, قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح، إليه أذهب في الخلفاء, وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: إن قومًا يقولون إنه ليس بخليفة، قال: هذا قول سوء رديء فقال: أصحاب رسول الله كانوا يقولون له: يا أمير المؤمنين أفنكذبهم؟ وقد حج وقطع ورجم فيكون هذا إلا خليفة؟.



  13. #28

    4


    رابعًا: انعقاد الإجماع على خلافة على رضي الله عنه:


    انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على أن عليًا رضي الله عنه كان متعينًا للخلافة بعد عثمان رضي الله عنه لبيعة المهاجرين والأنصار له، لما رأوا لفضله على من بقى من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلامًا، وأوفرهم علمًا، وأقربهم بالنبي نسبًا، وأشجعهم نفسًا وأحبهم إلى الله ورسوله، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق، وأرفعهم درجة وأشرفهم منزلة، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتًا، فكان رضي الله عنه متعينًا للخلافة دون غيره، وقد قام من بقى من أصحاب النبي بالمدينة بعقد البيعة له بالخلافة بالإجماع، فكان حينئذ إمامًا حقًا وجب على سائر الناس طاعته وحرم الخروج عليه ومخالته،

  14. #29

    4


    خامسًا:شروط أمير المؤمنين على رضي الله عنه في بيعته وأول خطبة خطبها رضي الله عنه:





    جاء في بعض الروايات أن أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه اشترط في بيعته أمورًا منها، أن تكون البيعة في ملأ وليس في خفية، وفي المسجد، وعن رضا المسلمين، وأنه يدير أمرهم كما يراه ويعلمه، فوافقوه وتواعدوا صباح اليوم التالي في المسجد للبيعة, وكان يومًا حافلاً وحاسمًا، فقد خرج أمير المؤمنين وقد لبس ملابسه كاملة..ثم بعد الحمد والثناء على الله بين للناس المحاولات التي بذلت معه وقال: إني كنت كارهًا لأمركم، فأبيتم إلا أن أكون عليكم، ألا وإنه ليس لي أمر دونكم، ألا إن مفاتيح مالكم معي، ألا وأنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم, ثم قال: يا أيها الناس: إن هذا أمركم ليس لأحد فيه حق إلا من أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم قعدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد، ثم رفع صوته قائلاً: رضيتم؟ قالوا: نعم، قال: الله اشهد عليهم، وأقبل الناس يبايعونه, وبعد أداء البيعة قال أمير المؤمنين: أيها الناس: إنكم يايعتموني على ما بايعتم عليه أصحابي، فإذا بايعتموني فلا خيار لكم علىَّ، وعلى الإمام الاستقامة وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة.. إلخ



  15. #30

    افتراضي


    شيء من فضائله وأهم صفاته وقواعد نظام حكمه


    قال الإمام أحمد، وإسماعيل القاضي، والنسائى، وأبو على النيسابورى: لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في على, وقال الحافظ ابن حجر: وكان السبب في ذلك أنه تأخر، أي آخر الخلفاء الراشدين، ووقع الاختلاف في زمانه وخرج من خرج عليه، فكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه من كثرة من كان يبينها من الصحابة ردًا على من خالفه، فاحتاج أهل السنة إلى بث فضائله، فكثر الناقل لذلك، وإلا فالذين في نفس الأمر أن لكل من الأربعة من الفضائل، إذا حرر بميزان العدل لا يخرج عن قول أهل السنة والجماعة أصلاً, وقال ابن كثير: من فضائله أنه أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة إلى رسول الله نسبًا, وقد ذكرت كثيرًا من فضائله فيما مضى من البحث كل في موضعه، وإتمامًا للفائدة نشير إلى مزيد من الفضائل لعلي رضي الله عنه منها:

    * عن زر رضي الله عنه قال: قال على: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلىَّ: «أن لا يحبنى إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق».

    * عن أبي إسحاق: سأل رجل البراء وأنا أسمع قال: أشهد على بدرًا؟ قال: بارز وظاهر.

    * عن أبي هريرة أن رسول الله × كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة فقال رسول الله ×: «اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد».

    * قال سعيد بن زيد: سمعت رسول الله × يقول:«النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلى في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، ولو شئت أن أسمي العاشر».

    * قالت أم سلمة رضي الله عنها: سمعت رسول الله يقول: «من سب عليًا فقد سبنى».

    * جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر محاسن عمله، قال: لعلَّ ذلك يسوؤك؟ قال: نعم.. قال: فأرغم الله بأنفك، ثم سأله عن على فذكر محاسن عمله قال: هو ذاك، بيته أوسط بيوت النبي ثم قال: لعلَّ ذاك يسوؤك؟ قال: أجل! قال فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك.

    هذه بعض الفضائل الثابتة لعلي رضي الله عنه، وأما صفاته رضي الله عنه، فقد كان له صفات القائد الرباني المضحى في سبيل الله وكتابه وسنة نبيه، ونجملها في أمور ونزكز على بعضها بالتفصيل، فمن أهم هذه الصفات، سلامة المعتقد، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدوة، والصدق، والكفاءة والشجاعة، والمروءة، والزهد، وحب التضحية، وحسن اختياره لمعاونيه، والتواضع والحلم والصبر، وعلو الهمة والحزم والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على التعليم وإعداد القادة، وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة المكية في صحبته للنبي وفي العهد المدني في غزواته مع رسول الله وحياته في المجتمع، وظهر البعض الآخر لما تسلم قيادة الدولة الراشدية وأصبح أمير المؤمنين رضي الله عنه، ومن أهم هذه الصفات:

    أولاً: العلم والفقه في الدين:



    كان أمير المؤمنين على رضي الله عنه من علماء الصحابة الكبار، وقد تميز رضي الله عنه بجده في التحصيل، والتحرى في قبول العلم، والسؤال في طلبه، واستخدام وسائل ضبط العلوم في زمنه، من كتابة، وتعهد، ولزوم النبي ، حيث يقول رضي الله عنه في جمعه للقرآن الكريم: آليت بيمين ألا أرتدى بردائى إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن, وقال: ما دخل نوم عينى، ولا غمض رأسي على عهد رسول الله حتى علمت ذلك اليوم ما نزل به جبريل، عليه السلام، من حلال أو سنة، أو كتاب، أو أمر، أو نهي، وفيمن نزل, وكان رضي الله عنه يتلقى النص من رسول الله مباشرة، ولكن عندما يبلغه الحديث من غيره فإنه شديد التحري في قبوله، خشية أن يَنسب لرسول الله قولاً لم يقله، ومما يدل على هذا المنهج قوله رضي الله عنه: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله حديثًا نفعنى الله منه بما شاء أن ينفعني،وإذا حدثنى أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر- وصدق أبو بكر- رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله يقول: «ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلى ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له» ثم قرأ هذه الآية وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ"[آل عمران:135] إلى آخر الآية»، نعم، على بن أبي طالب رضي الله عنه يستحلف أصحاب رسول الله وهم الثقات العدول، وما هذا إلا دليل على شدة تحريه في تلقي الحديث الذي يلقاه من غير رسول الله, وكان رضي الله عنه صاحب لسان سئول وقلب عقول، فقد قال:..إن ربي وهب لي قلبًا عقولاً ولسانًا سئولاً, وعلل رضي الله عنه كثرة علمه بطلبه إياه من رسول الله × بالسؤال، بقوله: كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتديت, وعندما يكون عائق الحياء بينه وبين رسول الله × يتغلب عليه يطلب من أحد الصحابة بسؤال رسول الله، فعن محمد ابن الحنفية قال: قال على: كنت رجلاً مذاءً, فاستحييت أن أسأل رسول الله ، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء, وكان رضي الله عنه يحذر الناس من ترك العلم بسبب الحياء، فقد قال: ولا يستحى أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم, ولا يستحي جاهل أن يسأل عما لا يعلم، وكان أمير المؤمنين على رضي الله عنه من بين القلة من المسلمين الذين كانوا يعرفون الكتابة في صدر الإسلام، وفوق هذا فقد كان من كتاب الوحى لرسول الله ×، وقد ساعدته هذه المهارة في القراءة والكتابة على التبحر في العلوم الشرعية، وكان رضي الله عنه يرى أن تكون كتابة النصوص بخط بَيَّّن مع التفريج بين السطور، والتقريب بين الحروف، فعن أبي عثمان عمرو بن بحر بن الجاحظ، قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب: الخط علامة، فكلما كان أبين كان أحسن، وقد أمر كاتبه عبيد الله بن أبي رافع بقوله: ألف دواتك وأطل سن قلمك، وأفرج بين السطور، وقرمطبين الحروف. وعن أبي حكيمة العبدي قال: كنا نكتب المصاحف بالكوفة، فيمر علينا على ونحن نكتب فيقول: أَجِلَّ قلمك, قال: فقططت منه، ثم كتبت فقال: هكذا نوروا ما نور الله, وكان رضي الله عنه يتعهد ما تعلمه بالعمل وتطبيقه، وكان من أحرص الناس على تطبيق ما سمعه من رسول الله ×، ولو كان ذلك في أصعب الظروف، كما مر معنا في تعليم رسول الله له وللسيدة فاطمة الله عنهما الأذكار، فقد قال أمير المؤمنين: ما تركته منذ سمعته من النبي ، قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين, وقد أشار أمير المؤمنين على رضي الله عنه إلى ضبط النص بالعمل به بقوله: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله, وكان يرى أن العالم لا يسمى عالمًا إلا إذا كان عاملاً بعلمه، لذا يقول مخاطبًا حملة العلم: يا حملة العلم، اعملوا به فإن العالم من عمل بما علم ووافق علمه عَمَله, وقال رضي الله عنه: هتف العلم بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل, وكان على رضي الله عنه من المكثرين من الفتيا في أصحاب رسول الله، قال ابن القيم: الذين حفظت عنهم الفتوى، من أصحاب رسول الله مائة ونيف وثلاثون نفسًا، ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر ابن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر, وقد عد ابن حزم عليًا رضي الله عنه في المرتبة الثالثة من بين الصحابة، رضي الله عنهم، في كثرة الفتيا، وسيأتي الحديث بإذن الله تعالى عن المسائل القضائية، وكثير من اجتهاداته الفقهية، عند حديثنا عن المؤسسة القضائية، وكان رضي الله عنه يحث على التزاور والمدارسة، حيث يقول: تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس, وفي رواية: تزاوروا وتحدثوا، فإن لم تفعلوا فإنه يدرس, وكان أمير المؤمنين على رضي الله عنه يحث على لزوم الشيخ، والحرص على الأخذ منه، ويقول: ولا تشبع من طول صحبته، فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء, وقد تهيأ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ملازمة رسول الله × صغيرًا حين تربي في حجره، وكبيرًا حينما كان صهره ووالد سبطيه، فكان بذلك قريبًا من رسول الله، يأخذ عنه ويتعلم منه، وقد شهدت السيدة عائشة لعلي بلزومه لرسول الله ×، فعن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني برجل من أصحاب النبي × أسأله عن المسح على الخفين، فقالت: ائت عليًا فسله، فإنه كان يلزم النبي ، قال: فأتيت عليًا فسألته، فقال: أمرنا رسول الله بالمسح على خفافنا إذا سافرنا, وكان رضي الله عنه يرى الانتقاء في العلوم فقد قال: العلم أكثر من أن يحفظ، فخذوا من كل علم محاسنه, وقد وصل من العلم مرتبة جعلته يقول للناس وهو في العراق: سلوني، فعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: ما كان أحد من الناس يقول: سلوني غير على بن أبي طالبرضي الله عنه، وقد وثق الناس بعلمه سواء الصحابة أو التابعون، فعن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: إذا أتانا الثبت عن على لم نعدل به, وعنه أيضا قال: إذا حدثنا ثقة عن على بفتيا لا نعدوها, وعن سويد بن غفلة أنه جاءه رجل يسأله عن فريضة رجل ترك ابنته وامرأته، قال: أنا أنبئك قضاء على قال: حسبى قضاء على، قال: قضى على لامرأته الثمن، ولابنته النصف، ثم رد البقية على ابنته, وقد أثنى الناس عليه في علمه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: أما إنه أعلم الناس بالسنة, وكان معاوية رضي الله عنه يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن ذلك، فلما بلغه قتله، قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب, وعن الحسن بن على، أنه خطب الناس بعد وفاة على رضي الله عنه فقال: لقد فارقكم رجل أمس، ما سبقه الأولون بعلم، ولا أدركه الآخرون, وعن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة – وقد سئل عن على – فقال: كان لله والله ما شاء من ضرس قاطع السطةفي النسب، وقرابته من رسول الله ومصاهرته، والسابقة في الإسلام، والعلم بالقرآن والفقه بالسنة، والنجدة في الحرب، والجود في الماعون, وعن مسروق قال: انتهى علم أصحاب رسول الله إلى عمر، وعلى، وابن مسعود، وعبد الله رضي الله عنهم.

+ الرد على الموضوع
صفحة 2 من 6 الأولىالأولى 1 2 3 4 ... الأخيرةالأخيرة

مواقع النشر (المفضلة)

مواقع النشر (المفضلة)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك