كذلك من المهم معرفته أن مقدمة ابن خالدون لا يمكن قراءتها مرة واحدة وينتهي أمرها، بل الاستفادة منها تختلف باختلاف مستويات القارئين، وأكثر من يستفيدون من هذه المقدمة هم الباحثون الاجتماعيون والباحثون في تاريخ المجتمعات الإنسانية، لو كانوا قد بلغوا مستويات راقية في هذا الباب.
كذلك في المقدمة مصطلحات مهمة جدا لابد من تحريرها وبيان مقصد ابن خلدون منها، وذلك كمصطلح (العصبية) حين يؤكد ابن خلدون على أن الأهداف الاجتماعية لا تتحقق إلا بوجود (العصبية) فهو يريد بذلك ما يساوي في اصطلاحاتنا الاجتماعية والإدارية (الدولة) أو (المؤسسة) أو (الجماعة) التي ينتسب إليها الشخص ويحقق من خلالها رسالته، فيكون هو ممثلا لهذه الجهة لا أنه منفرد، وحينما ننظر في التاريخ نجد أنه لا تتحقق الأمنيات الفردية إلا من خلال هيئة كاملة يمثلها الفرد ويشترك معها في رسالته ولذلك نجد في الولايات المتحدة الأمريكية هيئة لكل فكرة حتى لو صغيرة، حتى لو قلنا (حب الذباب) سنجد جماعة (محبي الذباب) حتى كانت هناك اتحادات الشواذ كذلك.. ففي المجتمعات التي فيها نوع إدراك لوسائل تحقيق الأهداف نجد كل من يحمل فكرة أو اتجاها يبحث عمن يشاركه ذات الاهتمام فلو وجدوا ثالثا كوّنوا هيئة أو حزبا لنصرة هذه الفكرة، وهنا يكون صوتهم مسموعا.. وهذه الفكرة (المؤسسية) التي يعتبرها الغرب الحديث من الأفكار الاجتماعية والإدارية الحديثة والتي دعى إليها المفكر الغربي الكبير بيتر دركر من خلال كتابه Peter Drucker on the Profession of Management قد تكلم عليها ابن خلدون قبله بقرون، ولولا أن بيتر دركر قد استفاد في أفكاره من الكونفوشيوسية اليابانية وأخذ يدور في فلكها لكان قد بحث حتى توصل إلى هذه المقدمة النفيسة التي يمكن أن يتعلم منها العالم كله.. وأنا قد درست أفكار بيتر دركر وقرأت كتبه وعرفت محاور فكره الكاملة بل وغصت حولها غوصا عميقا وتحققت من أن بيتر دركر مفكر عظيم جدا وعلى درجة عميقة من الأصالة.. إلا أنه لم يعرف شيئا عن الحضارة الإسلامية!! وهذا ما وقفت أممه مشدوها مذهولا.. فهو عالم اجتماعي عميق الفكر ومؤرخ وسياسي يعمل له ألف حساب، وهو من ابتكر شيئا يسمى (علم الإدارة) من خلال أول كتاب وضعه في الأربعينات، وهو مبتكر الإدارة بالأهداف وصاحب الحق الأول في كافة المصطلحات التي نستعملها اليوم في مجالنا الإداري والتنموي، كالعمل الجماعي والحكم التي تدور في موضوعه، وكالعمل المؤسسي وتوزيع الأدوار... إلخ.. ورغم ذلك فعند الإسلام وتاريخ المسلمين توقف توقفا عجيبا، وعرفت عنه جهلا عميقا بكل ما هو إسلامي، وعلى عظيم الاصالة والفخامة في كتبه إلا أنها لم تتعرض لشيء من تاريخ المسلمين ودولتهم ولا حتى الفترة الأندلسية!! وهذا أمر عجيب حقا لم أجد عنده تفسيرا، إلا أن يكون الجهل بالدولة الإسلامية العظيمة التي لولاها أصلا ما خرج دركر ولا عرف، أو يكون هو الحقد العقيدي على الإسلام.. وأظنه السبب الأول رغم غرابته.
المهم أن لا يحصل منكم الاعتماد على القراءة مرة واحدة لمقدمة ابن خالدون، فيتم تركها على أساس أنها قد قرئت، بل علينا أن نعاودها كل 3 سنوات مثلا لنعيد قراءتها وفق المرحلة الذهنية والنضجية الجديدة.
والله تعالى الموفق.
مواقع النشر (المفضلة)