السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يا محمد، ابتداء فإن الكلام في الدعوة لا ينبغي أن يكون لأي أحد من المسلمين الغيورين على الدين. ولا أعني بذلك انتقاصك - حاشا - فكفى بالمرء إثما أن يحقر أخاه المسلم، ولكن قضية الأمر أن هذا الباب من الأبواب التي تساهل الناس في الولوج منها، وهي على رأس المهام التي تحتاج غلى تأهيل خاص لا يتحقق إلا بشروط معينة من الدراسة والفهم لعلم الكلام والتعرف على الفلسفات بكافة مذاهبها مما يتوجه ماديا ومثاليا، وفهم قضية التوحيد فهما عقليا يتناسب أن تتناول به الحوار مع الملحد، سواء كان الحوار دعويا أو تناظريا.
ولتعلم أن القدرة على الدعوة والمناظرة هي منة من الله تعالى عزيزة لا تؤتى أي أحد؛ تأمل قول الله تعالى : (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، إن ربك حكيم عليم) فالله تعالى آتي إبراهيم الحجة على قومه، وذكرها الله تعالى بعد ذكره لمحاجته قومه في سورة الأنعام، فالمحاججة ليست شيئا مستصحبا بمجرد الإسلام، فتكون واجب كل مسلم، أو يقدر عليها كل مسلم، فالمسلمون أنفسهم في إيمانهم وعلمهم درجات، فهناك المسلم المقلد، وهم جمهور المسلمين اليوم، حتى لو لم يكن لديهم تقليد محض، فنظرهم الكوني ضعيف، وإيمانهم هو بالانتقال والتقليد أكثر منه بالاستدلال والنظر، وهناك من يؤمنون بالله عن نظر واستدلال، وهؤلاء يرتقون في المراتب الإيمانية بحسب مرحلتهم في النظر والمشاهدة، وبحسب أحوال قلوبهم وتأملات عقولهم في الموجودات من حولهم، والتي يستيقنون بها من واجب الوجود.
فعلينا إذا أن نحترس، فربما جرتنا الغيرة الدينية إلى زيادة إرابك المتحيرين من حيث لا ندري.
وفيما يتعلق بالشاب الملحد الذي تتحدث معه فانتبه معي جيدا.. :
ليس الطريق الصحيح معه أن تناقشه على صدق القرآن بالإخبار عن تطور الجنين، لأن هذا بالفعل قد عرفه الناس كما أخبرك هو، وهو على كل حال استدلال للقرآن، وليس القرآن في ذاته هو القضية الرئيسية عند الملحد في مرحلته تلك، وإنما هو وجود الله تعالى، فلا تأت من القرآن إلا بالدلائل الكونية، أي التي تدفع الملحد إلى الاستدلال العقلي على وجود الله تعالى، فتأمره بالنظر في الكون وتناقشه؛ هل هذا الكون قديم أزلي، أم هو حادث، ولو كان حادثا فلابد له من محدث، وهذا المحدث لا يصح أن يكون حادثا هو بدوره، لأن هذا سيلزم منه أنه هو كذلك يفتقر إلى الحادث. فلابد أن يكون المحدث موجودا، ووجوده قديم أزلي ليس قبله شيء، وأن هذا هو معنى اسم الله (الأول) .. المهم أن هذه طرق تسمى طرق المتكلمين، ويستعملون فيها مبدأ الحدوث، وهو تخصص علماء وممارسوا علم التوحيد أو علم الكلام، فلو كانت لديك القدرة على ذلك فتوكل على الله وابدأ معه - ولا أقول أكمل، فالبداية غير صحيحة - ولو لم تكن لديك القدرة فتوقف فورا، واحترس من أن نقاشك معه سيؤدي غالبا إلى زيادة غرباكه وتحيره، وربما زيادة استقراره على منابذة الإسلام.
والله يوفقك.
مواقع النشر (المفضلة)