بسم الله الرحمن الرحيم ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,
خطبة رسول الله صلى الله عليه و سلم ... تلك الكلمات التي ودعنا بها الحبيب المصطفى و كانت بمثابة وصايا لنا قبل رحيله ...
فأين نحن منها ؟؟
سألت نفسي هذا السؤال .. و أردت أن نتذكر معا ً خطبة الحبيب المصطفى عليه أزكى السلام و اطيب التسليم .... هذه هي خطبة الوداع لخصتها لكم من كتاب السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عسى الله أن ينفعنا بها جميعا ...
خطبة الرسول في حجة الوداع :
قال ابن إسحاق : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه فأرى الناس مناسكهم وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أيها الناس اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا ، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا ...
وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم وقد بلغت ، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها ،ألا و إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب" وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية" وإن ربا الجاهلية موضوع " قضى الله أنه لا ربا " و أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ...
أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا ، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ، ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله . إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ورجب مضر ، الذي بين جمادى وشعبان .
اتقوا الله في النساء ، فإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمات الله فإن لكم على نسائكم حقا ، ولهن عليكم حقا ، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف واستوصوا بالنساء خيرا ، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا ..
فاعقلوا أيها الناس قولي ، فإني قد بلغت ، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ، أمرا بينا ، كتاب الله وسنة نبيه .
أيها الناس .. اسمعوا و أطيعوا و إن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله ..
أرقاءكم أرقاءكم ... أطعموهم مما تأكلون و اكسوهم مما تلبسون و إن جاؤوا بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله ة لا تعذبوهم (*)
أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت ؟ و ستلقون ربكم فلا ترجعوا بعدي ضلالا ً يضرب بعضكم رقاب بعض ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه و أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟؟؟
قالوا نشهد أنك قد بلغت و أديت و نصحت ..
فقل بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء و ينكتها إلى الناس :
اللهم اشهد ..... اللهم اشهد..... اللهم اشهد
أضواء على خطبة الوداع :
" أيها الناس اسمعوا قولي ، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا"
و أنصتت الدنيا لتسمع قوله و أنصت الحجر و القفر و المدر إلى الكلمة المودعة التي ينطق بها فم رسول الله عليه الصلاة و السلام ..
رسول الله .. بعد أن أنست وسعدت الدنيا به ثلاثة و ستين عاما ً ها هو يلمح بالرحيل بعد أن قام بأمر ربه و غرس الدنيا بغراس الإيمان ...
و ها هو يلخص المبادئ التي جاء بها و جاهد في سبيلها في كلما ت جامعة و بنود معدودة يلقي بها إلى سمع العالم:
فما كان أول بند ؟
يا سبحان الله ما أجل و أروع !!!
لكأنه صلى الله عليه و سلم يستلهم توصياته تلك من واقع المنزلقات التي سيتنكب بها أقوام من أمته خلال الزمن تائهين وراء غيرهم ضائعين عن القبس الذي سيتركهه بين أيديهم فلقد كان أول بند :
"أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا ، وكحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا ..."
و لقد كرر هذه التوصية نفسها مرة أخرى في خاتمة خطابه و أكد ضرورة الاهتمام بها و ذلك عندما قال :
" أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم اللهم هل بلغت ؟ "
و نحن نقول :
أجل و الله لقد بلغت يا سيدي ... و لعلنا اليوم أولى من ينبغي ان يجيبك :
اللهم لقد بلغت ! .. و إن كنا في ذلك إنما نسجل مسؤولية على أعناقنا قصرنا كل
التقصير في القيام بحقها ..
أما البند الثاني :
فلك يكن مجرد توصية .. و لكنه قبل ذلك قرار أعلن فيه للملأ كله لأولئك الذين كانو من حوله و الامم التي ستأتي من بعده ..
و هذه هي صيغة القرار :
"ألا و إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع و دماء الجاهلية
موضوعة ............. وإن ربا الجاهلية موضوع "
فما المعنى الذي تتضمنه صيغة القرار ؟؟؟
إنه يقول أن كل ما كانت الجاهلية تفخر و تتمسك به من تقاليد العصبية القبلية و فوارق اللغة و الأنساب و العرق و استعباد الإنسان لأخيه الإنسان بأغلال الظلم و المراباة قد بطل أمره و مات اعتباره فهو اليوم جيفة منتنة غيبتها شريعة الله في باطن الأرض ...
لقد أبعدها رسول الله صلى الله عليه و سلم عن منطلق الإنسانية و تقدمهاالفكري و الحضاري و أعلن أنها قد عادت حثالة مدفوعة تحت ....
البند الثالث :
فقد أعلن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن تطابق الزمن إذ ذاك مع أسماء الأشهر
المقسم عليها و ذلك بعد طول تلاعب بها من العرب في الجاهلية و صدر الإسلام .
فقد كانوا – كما قال مجاهد و غيره – يجعلون حجهم كل عامين في شهر معين من السنة فيحجون في ذي الحجة عامين و في محرم عامين .. و هكذا
فلما حج رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذا العام وافق حجه شهر ذي الحجة و أعلن رسول الله صلى الله عليه و سلم إذ ذاك أن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السموات والأرض أي فلا تتلاعبوا بالأشهر تقديما ً و تأخيرا ً ولا حج بعد اليوم إلا في هذا الزمن الذي استقر اسمه : ذو الحجة .
البند الرابع :
أوصى رسول الله صلى الله عليه و سلم خيرا ً بالنساء و أكد في كلمة مختصرة و جامعة القضاء على الظلم البائد للمرأة في الجاهلية و تثبيت ضمانات حقوقها و كرامتها الإنسانية التي تضمنها أحكام الشريعة الإسلامية
البند الخامس :
وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم الناس من جميع المشكلات التي قد تعترض حياتهم أمام مصدرين لا ثالث لهما : ضمن لهم بعد الاعتصام بهما الامان من كل شقاء و ضلال و هما : كتاب الله و سنة رسوله .
و إنك لتجده يقدم هذا التعهد و الضمان إلى جميع الأجيال القادمة من بعده ليبين للناس صلاحية التمسك بهذين الدليلين ليس وقفا على عصر دون آخر و أنه لا ينبغي أن يكون لأي تطور حضاري أو عرف زمني أي سلطان أو تغلب عليهما
البند السادس
فقد أوضح ما ينبغي ان يكون عليه علاقة الحاكم أو الخليفة أو الرئيس مع الرعية و الشعب ...
إنها علاقة السمع و الطاعة من الشعب للحاكم مهما كان نسبه و شأنه و مظهره ما دام يحكم بكتاب الله و سنة رسوله فإذا حاد عنهما فلا سمع و لا طاعة
فلا مناط لولاء الحاكم و ضرورة اتباعه إلا سيره على نهج الكتاب و السنة و ليكن بعد ذلك إن شاء عبدا ً حبشيا ً ..فلا يخفضه ذلك قيد شعرة عن غيره عند الحق تبارك و تعالى.
و في الختام...يشعر رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه اخرج مسؤولية الدعوة و تبليغها من عنقه فها هو الإسلام قد انتشر و ها هي ضلالات الشرك و الجاهلية قد تبددت و ها هي أحكام الشريعة الإلهية قد بلغت و ها هو الوحي ينزل عليه صلى الله عليه و سلم مخاطبا ً البشر كلهم :
" اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا "
و لكنه يريد أن يطمئن إلى شهادة أمته بذلك أمام الله تعالى يوم القيامة عندما يسألون فأعقب توصياته هذه بأن نادى فيهم قائلا ً إنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون ؟
فارتفعت الأصوات حوله تصرخ : نشهد أنك بلغت و أديت و نصحت ..
و حينئذ اطمئن رسولنا العظيم ...
لقد أراد أن يستوثق من هذه الشهادة التي سيلقى بها الله عز و جل و لقد اطمأن الحبيب إذ ذاك و شعشع الرضا من عينيه و نظر إلى الأعلى مشيرا ً بسبابته إلى السماء ثم إلى الناس :
" اللهم اشهد ... اللهم اشهد ... اللهم اشهد ... "
ما أعظمها من سعادة !!!
سعادة رسول الله صلى الله عليه و سلم بشبابه الذي أبلاه و عمره الذي أمضاه في سبيل نشر شريعة ربه جل جلاله و ذلك حينما ينظر فيرى حصيلة الجهد الذي قدم و العمر الذي بذل أصواتا ً ترترفع و تعج بتوحيد الله و جباها ً تعنو ساجدة ً لدين الله و قلوبا ً خفاقة تجيش بحب الله ..
لا و الله ما كان ذلك شهادة تلك الآلاف المحتشدة حولك فحسب .. يا سيدي يا رسول الله ..و لكنها شهادة المسلمين في كل جيل و عصر إلى أن يرث الله الأرض و من عليها تعلن بلسان حالها و مقالها :
نشهد يا رسول الله أنك قدبلغت و أديت و نصحت فجزاك الله عنا خير ما جوزي نبي عن امته ..
و لكن مسؤولية الدعوة انتقلت بعدها إلى أعناقنا و ما أبعدنا اليوم عن القيام بحقها و ما أشد خيبتنا بلقائك غدا ً ..
و إن علينا أوزارا ً من التقاعس و التكاسل و الركون إلى زهرة الدنيا بينما يلتف حولك أصحابك البررة الكرام و إن في أيديهم و على أبدانهم شهادة الدم الذي سفكوه و الجهد الذي بذلوه و الدنيا التي حطموها تحت أقدامهم نصرة لشريعتك و دفاعا عن دعوتك و تأسيسا ً بجهادك
أصلح الله حالنا وحال المسلمين أجمعين و أيقظنا من سكرة الدنيا و نشوة الشهوة و الأهواء و تغمدنا بلطفه و كرمه و جوده... منقول .



رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)