واذا تحدثنا عن التعذيب فلابد لنا ان نذكر بلالا وخباب فهذا بلال كان سيده أمية بن خلف -إذا حميت الشمس وقت الظهيرة- يقلِّبه على الرمال الملتهبة ظهراً لبَطن، ويأمر بالصخرة الجسيمة فتلقى على صدره ثم يقول له. لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فما يزيد بلال عن ترديد: أحد، أحد...أ.هــ
وكذلك خباب حتى أنه اشتكى الى الرسول لما اشتدت ضراوة قريش فقال: شكونا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم) وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا. ألا تدعو لنا؟؟ فقال: "قد كانَ مَنْ قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعله نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتمَّنَّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
وهنا درس وعظيم من دروس السيرة بل ومن دروس الحياة وهو ان البناء ليس سهل وأن الحق مر وأن طريق الصلاح ليس ممهد بالورود بل لابد من الكد والتعب والجهد والمعاناة حتى يظهر الحق من الباطل والصالح من الطالح واصحاب القلوب القوية من المنافقين وكما نعلم جميعا ان ما جاء بصعوبة لا يذهب الا بصعوبة فههنا الرسول يبني لهم قضايا نتعددة في كلامات بسيطة وكيف لا وقد أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم فالرسول ينبهم الى ان الامر صعب وشاق ولكن النصر قادم لا محالة فالصبر مفتاح النصر وعلى قدر جهدك يكون أجركم
ثم نعيش هنا مع موقف رائع من مواقف السيرة وهو الهجرة الأولى وكانت إلى الحبشة وكان من الوفد الأول عثمان بن عفان وزوجه وهي الطاهرة رقية بنت محمد
نعم كانت في الفوج الأول ولم يقل رسول ابقى على ابنتي بجواري ولكنه وضح للعالمين ان الدين دين الله وان تلك الارض يورثها من يشاء من عباده وان التضحية تأتي من القائد قبل الجنود وفي الهجرة أيضا درسا عظيما ففيها نشر الدين وتوضيح ملامحه عند الناس وهذا ما حدث بالفعل وتسبب في إسلام النجاشي الذي صلى عليه رسول صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب بعد موته
وهنا نستمع الى كلام جعفر بن أبي طالب وهو ان عم الرسول وهو في مواجهة وفد قريش وكان الوفد من عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة -قبل أن يسلما- واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وزوّدوهم بالحجج التي يُطرد بها أولئك المسلمون! قالوا إنَّ ناساً من سفهائنا فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم..."
واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم.
فلما فوتح النجاشي في الأمر وأشير عليه بإبعاد القوم، رأى أن لابد من تمحيص القضية وسماع أطرافها جميعاً.
ثم أرسل إلى أصحاب النبي (صلَّى الله عليه وسلم) فدعاهم، فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه، فيما ساءه وسرَّه.
وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب، فقال لهم النجاشي:
ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من الناس؟
فقال جعفر: أيها الملك، كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله وأن لا نشرك به شيئاً، ونخلع ما كنا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام...وعدد عليه أمور الإسلام. قال جعفر: فآمنا به، وصدقناه، وحرّمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا. فتعدى علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ورجونا أن لا نُظلم عندك...
فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء! قال: نعم. فقرأ عليه صدراً من سورة مريم، فبكى النجاشي وأساقفته، وقال النجاشي: "إنّ هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، والله لا أسلمه إليكما أبداً" -يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه-فخرجا وقال "عمرو" لعبدالله بن أبي ربيعة : والله لآتينه غداً بما يبيد خضراءهم.
فلما كان الغد قال للنجاشي إنّ هؤلاء يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً. فأرسل النجاشي يسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبدالله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود فنخرت بطارقته! فقال: وإن نخرتم! وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم آمنون، ما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأنني آذيت رجلاً منكم! ورد هدية قريش وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى آخذها منكم ولا أطاع الناس فيَّ حتى أطيعهم فيه وأقام المسلمون عنده بخير دار.
يتبع بإذن الله ......
مواقع النشر (المفضلة)